أحمد الفاروقي السرهندي
80
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
وراء تلك التّقاة لا محمل له غير الصّدق والصّواب لا يتصوّر رفعها بالتّقاة وأيضا قد وردت الأحاديث الصّحيحة في فضائل الخلفاء الثلاثة وغيرهم وبلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر في المعنى وبشّرت جماعة منهم بالجنّة فماذا يقولون في هذه الأحاديث فإنّ التّقاة لا تجوز في حقّ النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ التّبليغ لازم للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا قد نزلت في هذا الباب آيات قرآنيّة ولا يتصوّر فيها التّقاه رزقهم اللّه سبحانه الإنصاف . ومعلوم عند أرباب العقول أنّ التّقاة من صفات الجبان فنسبتها إلى أسد اللّه غير مناسبة وإن جوّزت التّقاة بحكم البشريّة ساعة أو ساعتين ويوما أو يومين فله مساغ ومجال وأمّا إثباتها لأسد اللّه مدّة ثلاثين سنة والقول بإصراره على التّقاة في تلك المدّة فمستكره جدّا وقد قال العلماء : الإصرار على الصّغيرة كبيرة فما يكون حكم الإصرار على صفة من صفات أرباب الشّقاق والنّفاق يا ليتهم يفهمون قباحة هذا الامر . وهم إنّما هربوا من تقديم الشّيخين لكونه مستلزما لإهانة علىّ وتنقيصه يعني في زعمهم الفاسد واختاروا إثبات التّقاة له ولم يفهموا شناعة هذه الصّفة فلو فهموا شناعتها لما جوّزوها له أصلا ولاختاروا أهون الامرين ( بل أقول ) لا إهانة لعليّ في تقديم الشّيخين فإنّ حقّيّة خلافته باقية على حالها ودرجة ولايته ورتبة هدايته ومنزلة إرشاده أيضا باقية على ما هي عليها وفي إثبات التّقاة يلزم التّنقيص والتّوهين لكونها من خصائص أرباب النّفاق ولوازم أصحاب المكر والخداع . والمقام الثاني : هو أنّ أهل السّنّة والجماعة شكر اللّه سعيهم يحملون مشاجرات أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ومنازعاتهم على محامل حسنة ويعتقدونها بعيدة عن الهوى والتّعصّب فإنّ نفوسهم صارت مزكّاة في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وساحة صدورهم طاهرة نظيفة من العداوة والغلّ والحقد غاية ما في الباب أنّه لمّا كان لكلّ واحد منهم رأيا واجتهادا وكان العمل لكلّ مجتهد على وفق اجتهاده واجبا لزمت المشاجرة والمخالفة في بعض الأمور بسبب مخالفة الآراء بالضّرورة وكان أتباع كلّ منهم رأى نفسه صوابا فكانت مخالفتهم مثل موافقتهم لأجل الحقّ لا للهوى والهوس واتّباع النّفس الامّارة . والرّوافض يكفّرون مخالفي عليّ ومحاربيه ويجوّزون في حقّهم أنواع الطّعن والتّشنيع فإذا صدرت مخالفة الأصحاب الكرام للنّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - في بعض الأمور الإجتهاديّة وحكمهم بخلاف حكمه - عليه الصّلاة والسّلام - ولم تكن مخالفتهم هذه مذمومة ولم يكونوا ملومين عليها ولم يجئ منعهم عنها مع وجود نزول الوحي في ذلك الوقت فكيف تكون مخالفتهم لعلىّ في الأمور الإجتهاديّة كفرا ولم يكون المخالفون مطعونا فيهم وملومين كيف ؛ فإنّ المخالفين جمّ غفير من أهل الإسلام ومن أجلّة الأصحاب الكرام وبعض منهم مبشّر بالجنّة وليس تكفيرهم وتشنيعهم أمرا يسيرا كبرت كلمة تخرج من أفواههم فإنّهم كادوا يكونون هم الذين بلغوا قريبا من نصف الدين والشّريعة فإذا كانوا مطعونا فيهم يزول الاعتماد عن شطر الدين كيف يكون هؤلاء الأكابر مطعونا فيهم فإنّه لم يردّ أحد رواية أحد منهم أصلا لا علىّ ولا غيره . وأيضا إنّ صحيح البخاريّ أصحّ الكتب بعد